Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل تكفي قابلية العيش لصناعة مدينة إنسانية؟ الإدراك والذاكرة والهوية في أنسنة المدن

بقلم:  د. محمود يوسف غنيم | أستاذ العمارة المشارك | قسم العمارة وعلوم البناء بكلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود

قد تكون المدينة مريحة، آمنة، جيدة التنظيم، غنية بالخدمات، ومهيأة للمشي والجلوس والتفاعل؛ ومع ذلك، قد يشعر الإنسان فيها بالغربة. وهذه المفارقة، في تقديري، تفتح سؤالًا أبعد من المقاربات المعتادة لأنسنة المدن: هل يكفي أن نوفر للإنسان شروط الراحة، أم أن الأنسنة تبدأ حقًا حين يصبح المكان قابلًا لأن يُدرَك ويُميَّز ويُتذكَّر ويُعاش؟

منذ أن طرح كيفن لينش، في «صورة المدينة»، أهمية قابلية البيئة الحضرية للقراءة وقدرتها على تكوين صورة ذهنية واضحة ومميزة، أصبح من الصعب النظر إلى المدينة بوصفها مجرد تنظيم للطرق والمباني والوظائف. ثم جاء جوردون كَلِن ليؤكد، من خلال مفهوم «الرؤية المتتابعة»، أن المدينة لا تُختبر كلقطة ثابتة، بل كسلسلة من المشاهد والانكشافات والتحولات التي يصنع منها الإنسان تجربته وهو يتحرك في المكان. كلاهما أعاد الإنسان إلى قلب المشهد الحضري، لا بوصفه مستخدمًا فقط، بل بوصفه مُدركًا ومفسرًا وصانعًا للمعنى.

لكن المدينة المعاصرة تضعنا أمام مفارقة جديدة. فمع اتساع تداول النماذج الناجحة، وتوحّد لغة التصميم، وانتقال «أفضل الممارسات» من مدينة إلى أخرى، أصبح من الممكن إنتاج أماكن عالية الجودة لكنها شديدة التشابه. ندخل حيًا أو شارعًا جديدًا فنشعر أننا رأيناه من قبل: الواجهات ذاتها، والأثاث الحضري ذاته، والمقاهي والتشجير والمواد واللغة البصرية نفسها تقريبًا. هنا تظهر حالة يمكن وصفها بـ "urban déjà vu " أماكن مختلفة جغرافيًا، لكنها متقاربة إدراكيًا إلى درجة تضعف خصوصيتها في الذاكرة.

المشكلة ليست في الحداثة، ولا في التعلم من التجارب الناجحة، بل في أن تتحول الجودة إلى نمط قابل للاستنساخ. فالمدينة قد تكون واضحة على الخريطة، لكنها باهتة في الذاكرة؛ وقد تكون ناجحة في مؤشرات الأداء، لكنها عاجزة عن أن تقول للإنسان: «أنت هنا، في هذا المكان تحديدًا».

والتجربة الحضرية لا تصنعها الصورة الكبرى وحدها. نحن نعيش المدينة عند حدودها الصغيرة: عند المدخل، والرصيف، والواجهة، والحافة، والظل، والفراغ الانتقالي بين الخاص والعام. هذه الحدود قد تكون مجرد فواصل مادية، وقد تصبح «حدودًا حية» تسمح بالرؤية والتوقف والتفاعل والاختيار. هناك، تحديدًا، تتحول المدينة من تكوين يُشاهَد إلى تجربة تُعاش. فالإنسان لا ينتمي إلى المخططات؛ بل إلى لحظات صغيرة تتراكم حتى يصبح المكان مألوفًا ومفهومًا وذا معنى.

وهنا تكمن إشكالية أخرى: الاستخدام لا يعني بالضرورة الانتماء. قد يكون المكان ناجحًا، مزدحمًا، جميلًا، ومريحًا، ومع ذلك يبقى مستخدموه عابرين فيه. فصناعة المكان ليست مجرد ملء الفراغ بالأنشطة، والهوية ليست زخرفة تُضاف إلى الواجهات، والانتماء لا ينتج آليًا من جودة التصميم. ثمة فارق جوهري بين أن يجد الإنسان مكانًا يستطيع استخدامه، وأن يجد مكانًا يستطيع أن يرى نفسه جزءًا منه.

لذلك، ربما نحتاج إلى توسيع معنى أنسنة المدن. لا يكفي أن نسأل: هل يستطيع الإنسان أن يمشي هنا؟ وهل يجد الظل والمقعد والخدمة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: هل يستطيع أن يقرأ المكان، وأن يميزه، وأن يتذكره؟ هل تتحدث حدوده إليه؟ هل تمنحه تجربته اليومية فرصة لتكوين معنى وذاكرة وهوية؟

فالمدينة الإنسانية ليست فقط مدينة تريح الجسد، بل مدينة تخاطب العقل، وتوقظ الذاكرة، وتسمح بالعلاقة. والأنسنة، في جوهرها، ليست أن نصنع مكانًا للإنسان فحسب، بل أن نصنع مكانًا يستطيع الإنسان أن يعيش فيه تجربة، وأن يتعرف إليه، وأن يحتفظ به في ذاكرته، وأن يشعر في النهاية بأنه ينتمي إليه.

تاريخ آخر تحديث : نوفمبر 5, 2026 10:03م