نضج الأنسنة: من تحسين المشهد إلى بناء المدينة المتكاملة
نضج الأنسنة: من تحسين المشهد إلى بناء المدينة المتكاملة | بقلم م. مهند بن محمد مغربي | قطاع التنمية العمرانية - هيئة تطوير منطقة مكة المكرمة
شهدت المدن السعودية خلال السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً بمبادرات الأنسنة بوصفها أحد المسارات المهمة لتحسين جودة الحياة وتعزيز العلاقة بين الإنسان والمدينة. وقد أسهمت هذه المبادرات في إعادة الاعتبار للمشاة وتطوير الفضاءات العامة وتحسين المشهد الحضري وخلق بيئات أكثر جاذبية للسكان والزوار.
ومع هذا الحراك الإيجابي تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو مرحلة أكثر نضجاً في فهم الأنسنة وتطبيقها، مرحلة تتجاوز التركيز على المظاهر الحضرية والتحسينات الموضعية إلى بناء منظومة متكاملة تجعل الإنسان محوراً للتخطيط والتصميم والتشغيل منذ المراحل الأولى لتشكيل أو تطوير المدينة.
إن الأنسنة الناجحة ليست مجموعة من العناصر التي تضاف إلى المدينة بل هي نتيجة طبيعية لتخطيط سليم يبدأ من الأساس.
القطاع العرضي للطريق … نقطة البداية الحقيقية
من واقع الممارسة المهنية في مجالات التخطيط الحضري والنقل وتصميم الطرق يمكن القول إن أحد أهم مقومات الأنسنة يتمثل في التطبيق الصحيح للقطاع العرضي للطريق والمحافظة عليه.
ففي كثير من الحالات لا تكمن المشكلة في غياب الأرصفة أو مساحات المشاة ضمن التصاميم المعتمدة، بل في عدم تنفيذ القطاع العرضي بالشكل المخطط له أو في تعرضه للتعديات والتغييرات التي تفقده وظيفته الأساسية مع مرور الوقت.
عندما يُنفذ القطاع العرضي وفق المعايير والكود المعتمد وتُحدد بوضوح مساحات المشاة والتشجير والخدمات والحركة، وتُحمى هذه العناصر من التعديات المستقبلية، فإن جزءاً كبيراً من أهداف الأنسنة يتحقق بصورة تلقائية. فالاتصالية، وسهولة الوصول، وسلامة المشاة، وجودة التجربة الحضرية، كلها نتائج مباشرة لالتزامنا بالأساس التخطيطي الصحيح.
لذلك فإن نضج الأنسنة يبدأ من حماية حق الطريق والمحافظة على مكوناته الأساسية قبل التفكير في التدخلات التجميلية أو التحسينية اللاحقة.
الأنسنة والنقل الحضري… علاقة تكامل لا منافسة
من التحديات التي تواجه بعض مشاريع الأنسنة النظر إليها أحياناً بمعزل عن منظومة النقل والحركة داخل المدينة، في حين أن العلاقة بينهما هي علاقة تكاملية بطبيعتها.
فالمدن مطالبة بتحقيق معادلة متوازنة بين سهولة التنقل وكفاءة الحركة وجودة الحياة. كما أن لكل طريق دوراً وظيفياً مختلفاً ضمن الشبكة الحضرية، فهناك طرق محلية تخدم الأحياء السكنية، وأخرى تجميعية أو شريانية تخدم حركة أوسع على مستوى المدينة.
ومن هنا فإن نجاح الأنسنة لا يتحقق بإعطاء الأولوية المطلقة لأي عنصر على حساب العناصر الأخرى، بل من خلال فهم وظيفة الطريق ودوره ضمن شبكة النقل، ثم تطوير الحلول التي تحقق التوازن بين احتياجات المشاة ومتطلبات الحركة المرورية وكفاءة التشغيل.
إن المدينة الناجحة ليست تلك التي تنتصر للمركبة على حساب الإنسان، ولا تلك التي تعطل كفاءة الحركة من أجل تحسين موضعي للمشهد الحضري، بل هي المدينة التي تنجح في تحقيق التوازن بين الجانبين ضمن رؤية متكاملة.
العلاقة بين المبنى والشارع
يظل المجال العام انعكاساً مباشراً للعلاقة بين المبنى والشارع. ولذلك فإن نجاح الأنسنة لا يرتبط فقط بتصميم الطرق والأرصفة، بل يمتد إلى كثير من التفاصيل العمرانية والتنظيمية التي تؤثر في تجربة المستخدم اليومية.
وفي بعض البيئات العمرانية قد تؤدي بعض الاشتراطات أو الممارسات التنفيذية إلى الحد من الاستفادة الفعلية من الارتدادات والمساحات المحاذية للشوارع، سواء بسبب بروز بعض عناصر الخدمات أو إشغال أجزاء من المجال المتاح للمشاة بعناصر لم تؤخذ آثارها الحضرية بعين الاعتبار بشكل كافٍ.
وهنا تبرز أهمية تعزيز التكامل بين التخطيط الحضري والاشتراطات العمرانية ومتطلبات الجهات الخدمية المختلفة، بحيث تسهم جميعها في تشكيل بيئة حضرية أكثر مرونة وجودة واستدامة.
فالمدينة لا تُبنى من خلال مشروع منفرد أو عنصر تصميمي واحد، وإنما من خلال منظومة متكاملة تعمل فيها جميع المكونات باتجاه هدف مشترك.
نحو مفهوم أكثر نضجاً للأنسنة
لقد حققت مبادرات الأنسنة في المملكة نتائج مهمة وأسهمت في رفع الوعي بأهمية الإنسان في تشكيل المدينة، إلا أن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مفهوم التحسين الحضري إلى مفهوم التكامل الحضري.
فالأنسنة في صورتها الأكثر نضجاً لا تقاس بعدد الساحات المطورة أو الأرصفة المنفذة أو عناصر الأثاث الحضري المضافة، بل تقاس بقدرة المدينة على توفير بيئة مترابطة وآمنة وعملية ومستدامة تلبي احتياجات الإنسان اليومية بكفاءة.
وعندما تصبح الأنسنة جزءاً من منظومة التخطيط والنقل والتصميم العمراني وإدارة المجال العام، فإنها تتحول من مبادرات متفرقة إلى ثقافة حضرية راسخة تنعكس على جودة المدينة وكفاءة عملها واستدامة نموها.
فالمدن المتكاملة لا تُبنى بتحسين المشهد فقط، بل ببناء الأساس الذي يجعل ذلك المشهد قابلاً للحياة والاستمرار.