الفراغات العمرانية وأنسنتها بالأحياء السكنية | أ.د. أسامة سعد خليل إبراهيم
"الفراغات العمرانية وأنسنتها بالأحياء السكنية" بقلم أ.د. أسامة سعد خليل إبراهيم، أستاذ التخطيط العمراني والإقليمي، بقسم التخطيط العمراني في كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود.
يمثل الحي السكني الوحدة التخطيطية الأساسية في تشكيل المدينة، وتبرز أهمية العناية به من منطلق تعزيز البعد الاجتماعي في التخطيط والتصميم العمراني للمدن. ويقاس نجاح الحي السكني بمقدار ما يوفره من راحة وأمان وتلبية ناجحة لمتطلبات وخدمات السكان ورواد المكان. وتأتي الفراغات العمرانية (ومن بينها الساحات البلدية) في مقدمة الخدمات الترفيهية التي توفر مسامية تتنفس منها الكتلة البنائية للحي السكني. وتحتاج الفراغات والساحات البلدية لمهارة تخطيطية وتصميمية فريدة في إطار صناعة المكان وتهيئته، وترتكز العملية التصميمية للفراغات العمرانية على نجاحها في استيفاء المعاير والضوابط، وتحقيق الجوانب الجمالية وعناصر الراحة النفسية. والتأكيد على توفير جاذبية الأنشطة والوظائف التي يجب توفيرها لكافة فئات وشرائح المجتمع قاطني وزوار الحي السكني.
ترتبط مفاهيم وتطبيقات الأنسنة ارتباطا وثيقا بالأحياء السكنية وصياغة فراغاتها العمرانية ونظم الحركة بها، وتأتي أنسنة الفراغات في إطار منهجية تصميمية عمرانية متكاملة تهدف لتحويل المساحات العامة إلى بيئات صديقة للإنسان، تُعزز جودة الحياة عبر إنشاء حدائق، ممرات مشاة، ملاعب، ومناطق ترفيهية، وغيرها. وهذه العناصر تساعد على تحسين الصحة العامة والروابط الاجتماعية، وتقليل الاعتماد على السيارات، ومن ثم توفير بيئة مستدامة ومريحة للسكان. يتعاظم دور المصمم العمراني في تعزيز أهداف أنسنة الفراغات العمرانية من خلال عدة نقاط أساسية منها:
1) تحسين جودة الحياة: عبر تعزيز صحة السكان ورفاهيتهم النفسية والجسدية، وصياغة عمران صديق للبيئة
2) تصميم بمقياس الإنسان: تصميم يراعي المشاة، الراحة، والجاذبية بدلاً من التركيز فقط على السيارات.
3) عناصر داعمة للأنسنة: من خلال تهيئة عمرانية تشمل إنشاء حدائق، ملاعب عامة، ممرات مشاة، مسطحات خضراء، ومناطق للاحتفالات، وغيرها.
4) الحماية والراحة: توفير الحماية من حركة المرور السريعة والعوامل المناخية القاسية، وحماية الشرائح المجتمعية المختلفة.
5) تعزيز الهوية الاجتماعية: وذلك بابتكار أماكن للتفاعل الاجتماعي والتواصل بين فئات السكان المختلفة.
6) تفعيل التقنيات المعاصرة: باستخدام تقنيات تساعد في رفع الكفاءة البيئية والتشغيلية وتحافظ على صحة البيئة العمرانية وأنسنتها في إطار مستدام.
ختاماً: تحتاج الفراغات العمرانية في أحيائنا السكنية لرفع كفاءتها وأنسنتها من خلال: مراجعة معاييرها وتطويرها في مراحل التخطيط والتصميم، التنفيذ، التشغيل، المتابعة والتقييم. وهو ما يؤسس لنجاح تواصل مطلوب بين الوحدات التخطيطية وفراغاتها العمرانية، ويساهم في صنع منظومة حركة متكاملة تخدم مسارات المشاة وتؤهلها محلياً. إضافة لصياغة أنشطة جاذبة مبتكرة تتمتع بالتقنيات واستخدام معدات حديثة تقيس درجات التلوث وتوفر معالجات مناسبة، كذلك التهيئة العمرانية للراحة الحرارية المحلية، ودعم استخدام الطاقات الجديدة والمتجددة، وتأهيل المكان لاستخدام ذوي الاحتياجات الخاصة. هذه الاعتبارات تساهم إيجابياً في تفعيل توجيهات وأهداف برنامج جودة الحياة ضمن رؤية المملكة 2030.
وتأسيساً على ذلك تحتاج الفراغات العمرانية في أحيائنا السكنية لمهارة تصميمية حقيقية تراعي راحة الإنسان وخصائص المكان، وهوية وثقافة المجتمعات، وبما يؤسس لمفاهيم الأنسنة وجودة الحياة في مدننا العربية.