نحو مؤشرات استراتيجية لقياس أنسنة المدن
نحو مؤشرات استراتيجية لقياس أنسنة المدن
أ.د. وليد الزامل، أستاذ التخطيط العمراني بقسم التخطيط العمراني في كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود.
لقد برز مصطلح "انسنة المدن" في الخطاب العمراني بشكل واسع خلال العقود الماضية باعتباره مفهوم يعيد ترتيب وظيفة المدينة نحو خدمة الإنسان. ومع ذلك، يمكن أن يتخذ مسار أنسنة المدن إطاراً شكلياً ينحو باتجاه تجميل المدينة أو تنظيم الفراغات العامة حيث يتم التعامل مع الأنسنة في أغلب الأحيان باعتبارها جزء من عملية تصميمة مجردة من سياقها التشريعي، والاجرائي، والتنفيذي. في الحقيقة، أنسنة المدن لا تعني بناء المدن؛ بل بناء الإنسان من خلال المدينة. بعبارة أخرى، أن تكون المدينة شكلاً من أشكال بناء الإنسان نفسه وهو ما يعني اعادة تموضع السياسة الحضرية ليصبح الانسان فيها هو الهدف الأسمى ضمن منظومة بناء المدن. وهذا يتطلب إعادة النظر في المدينة ليس باعتبارها جسماً مادياً؛ بل نظام حياة يعزز تفاعل المجتمع بالاقتصاد وفي سياق ينسجم مع البيئة وضمن إطار حوكمة يحقق المستهدفات التنموية العليا. القول بأن مدينة ما هي مدينة إنسانية يظل مجرد إدعاء في حال عدم وجود مؤشرات قابلة للقياس. ومن وجهة نظري أرى أن هناك خمس مؤشرات لقياس أنسنة المدن علينا أن نتوسع في بحثها وهي على النحو التالي:
أولاً، مستويات الإنجاز، علينا أن نبدأ بالإنسان لنفهم كيف يقضي حياته في المدينة وكيف ينجز أعماله خلال اليوم؟ هل ينجزها بسهولة أم يواجه بعض التحديات؟ فمثلاً، ليس المهم أن يكون الشارع جميلاً أو أن نبني مسارات مشاة رخامية؛ ولكن الأهم أن نفهم كم الوقت الذي يقضيه الإنسان في الانتقال من مكان إلى آخر؟ فمهما كانت المدينة جميلة شكلياً لن تكون إنسانية إذا كان وقت الإنسان يهدر في الوصول إلى العمل، أو التسوق، أو الترفيه.
ثانياً، تلبية الاحتياج، ويتمثل هذا المؤشر بمدى توفر الاسكان والخدمات النوعية التي تستجيب لكافة احتياجات شرائح المجتمع بما في ذلك الأطفال، والشباب، وكبار السن. المدينة الانسانية هي تلك القادرة على توفير الاسكان والمرافق والخدمات التعليمية والصحية بعدالة من الناحية الوظيفية والمكانية وبما ينسجم مع القدرة الاقتصادية. وهو ما يعني تطوير أحياء سكنية قادرة على استنطاق احتياجات الانسان في نطاق يمكن الوصول له.
ثالثاً، الاستقرار الاجتماعي والتمكين الاقتصادي، هذا المؤشر يقيس مدى قدرة الإنسان على الاستقرار، والتفاعل، والمشاركة في فضاء المدينة. وهذا لا يعني بناء ساحات أو ميادين عامة فحسب؛ بل تعزيز قدرة الانسان على الشعور بالانتماء للمكان. الفضاء العمراني الذي لا يشعر الإنسان انه شريك فيه لن يتفاعل معه. المجتمع لن يتفاعل في مشروع عمراني لا يحقق له مردود اقتصادي بما في ذلك توفير فرص العمل، والايرادات التي تدعم الاقتصاد المحلي. ومن هنا تتجلى أهمية تطوير أحياء سكنية متكاملة لا توفر كيانات مادية لاستيعاب السكان فحسب؛ بل ترتقي بالمجتمع وأساليب المعيشة.
رابعاً، ممارسة الثقافة، فاستحضار النمط العمراني في المدينة بشكل مادي هو مجرد استيراد للعنصر الثقافي ومحاولة تسليعة لتسويق المكان. يعبر هذا التسليع عن هيمنة فكرة "تسويق المدينة" في إطار عقاري أو كعلامة تجارية لجذب السياح، والمستثمرين، والسكان بعيداًَ عن محاولة صناعة ثقافة متفردة للمدينة. ولكن أنسنة المدن هي ممارسة ثقافية تعبر عن تراكم التجربة الانسانية في المكان. المدينة الانسانية هي التي تعكس قيم المجتمع، ونمط حياته، والممارسة الثقافية يمكن أن تتجلى في اعادة تموضع التجربة الانسانية في المكان فالممارسة هي التي تؤكد على وظيفة المكان.
خامساً، الحوكمة، فانسنة المدن لا يمكن تطبيقها من خلال قرارات مركزية من أعلى الهرم إلى اسفله دون إشراك المجتمع بعدالة. ويتطلب مشاركة المجتمع ضمان وصول كافة الشرائح الاجتماعية، والشراكة في صناعة القرار، وتبني ادوات متنوعة تعكس احتياجات كافة أفراد المجتمع بما في ذلك عقد ورش العمل التفاعلية، والمقابلات الميدانية، ومجالس الاحياء السكنية.
ختاماً، فإن أنسنة المدن ليست مجرد بناء شكلي أو تصور بصري للمدينة؛ بل بناء للانسان واعادة رسم العلاقة بين الانسان والمدينة باعتبارها منظومة أو فضاء انساني وليست كياناً مادياً.