Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
Skip to main content

من التخطيط للمركبات الى التخطيط للإنسان: الأنسنة بوصفها نهجاً للسلامة الحضرية

من التخطيط للمركبات الى التخطيط للإنسان: الأنسنة بوصفها نهجاً للسلامة الحضرية

بقلم: د. محمد بن حمد المناع | أستاذ هندسة النقل والمرور المشارك بجامعة الملك سعود

على مدى عقود، صُممت كثير من المدن الحديثة لخدمة تنقل المركبات أكثر من خدمة الإنسان. فارتفعت السرعات داخل الأحياء السكنية، وتراجعت قابلية التنقل  مشياً على الأقدام، وضعفت جودة الأرصفة والمساحات العامة، وأصبحت السيارة ضرورة حتى في الرحلات القصيرة. ومع هذا النموذج العمراني ظهرت تحديات متزايدة تمس السلامة المرورية والصحة العامة والتفاعل الاجتماعي داخل المدن.

وتُظهر الدراسات أن العلاقة بين السرعة وشدة الإصابة ليست خطية، بل تتصاعد بحدة. فوفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، يتضاعف خطر وفاة المشاة عدة مرات عند ارتفاع سرعة المركبة لحظة الاصطدام من 30 إلى 50 كم/ساعة، ولهذا اعتمدت مدن عالمية كثيرة سرعة 30 كم/ساعة حدًا أعلى داخل الأحياء السكنية. زيادة بسيطة في السرعة قد تعني الفارق بين إصابة يمكن التعافي منها ووفاة محققة، للمشاة خصوصًا الأطفال وكبار السن، وراكبي الدراجات.

هنا برز مفهوم “النظام الآمن (Safe System Approach)” باعتباره أحد أهم التحولات الحديثة في هندسة المرور. تنطلق هذه الفلسفة من مبدأ بسيط: الخطأ البشري متوقع ولا يمكن منعه بالكامل، وجسم الإنسان محدود القدرة على تحمل قوى التصادم. لذلك يُصمم النظام المروري والبيئة الحضرية بطريقة تمنع تحول الأخطاء البشرية إلى وفيات أو إصابات جسيمة.

فالنظام الآمن ليس إطارًا تقنيًا فحسب، بل فلسفة حضرية تضع حماية الإنسان في مقدمة أولويات التخطيط والنقل. ويقوم على عناصر مترابطة تشمل الطرق الآمنة، والسرعات الآمنة، وسلامة مستخدمي الطريق، والمركبات الآمنة، والاستجابة الفعالة بعد الحوادث؛ بحيث تتشكل “طبقات حماية متعددة” لا يؤدي فشل إحداها إلى نتائج جسيمة.

المصدر: Washington Traffic Safety Commission

وتهدئة السرعات داخل الأحياء السكنية لا تهدف إلى إبطاء الحركة، بل إلى إبقاء المخاطر ضمن حدود يحتملها الإنسان. لذلك تعتمد المدن الحديثة معالجات هندسية تجعل السائق يختار السرعة الآمنة تلقائيًا استجابةً لتصميم الطريق، لا خوفًا من المخالفة. ومن أمثلتها: معابر المشاة المرتفعة، وتضييق مداخل الشوارع، وتقليل زوايا الالتفاف عند التقاطعات، ومناطق التهدئة حول المدارس والمرافق العامة، والدوارات الصغيرة، والمسارات المتعرجة. وقد طُبقت هذه الحلول على نطاق واسع في ستوكهولم وأوسلو وأمستردام، وأسهمت في خفض الوفيات والإصابات الجسيمة بشكل ملحوظ خلال العقود الماضية.

وتُستخدم الدهانات الأرضية الحديثة كأداة سلوكية وهندسية معًا؛ فهي توجه انتباه السائق، وتُبرز معابر المشاة، وتعزز الإحساس البصري بضيق الطريق أو حساسية المحيط، فتنخفض السرعات دون تدخل رقابي مباشر. ويُعد هذا النوع من “الطرق ذاتية التفسير (Self-Explaining Roads)” تطبيقًا عمليًا لفلسفة النظام الآمن: التصميم يعدّل السلوك بدل الاعتماد الكامل على الرقابة والعقوبات.

مع دخول قطار الرياض وحافلات الرياض حيز التشغيل بنهاية عام 2024، لا يكتمل نجاح منظومة النقل العام دون معالجة “الميل الأول والأخير (First/Last Mile)”، أي المسافة القصيرة التي يقطعها الراكب بين منزله أو وجهته وأقرب محطة. فالحي المؤنسن، بأرصفته المتصلة والمظللة ومعابره الآمنة ومساراته المخصصة للدراجات ووسائل التنقل الخفيف، يحوّل المحطة إلى امتداد متصل بالحي، ويجعل الاستغناء عن السيارة في الرحلات القصيرة أمرًا ممكناً.

وتؤكد الدراسات المحلية هذه العلاقة؛ ففي استطلاع أُجري في الرياض حول استخدام السكوتر الكهربائي كوسيلة مكملة للنقل العام، جاء نقص البنية التحتية الملائمة في مقدمة المعوقات بنسبة 70%، متقدمًا على الطقس والسلامة. وما زال التنقل مشيًا أو بالدراجة الهوائية خيارًا مطلوبًا لدى كثير من السكان، غير أن  جاهزية البيئة العمرانية هي التي تُمكِّن هذا التوجه أو تحدّ منه. وأوصت دراسة أخرى حول استعداد سكان الرياض للتحول من استخدام السيارة إلى المترو بتوفير وسائل تنقل خفيف للوصول إلى المحطات نظرًا لحرارة الجو، فيما قدّرت بحوث محلية حديثة أن تسهيل الوصول إلى محطات قطار الرياض يمكن أن يختصر أزمنة الرحلات بنحو 20% ويقلص انبعاثات الكربون بأكثر من مليون طن سنويًا.

ويتقاطع هذا كله مع أنسنة الأحياء السكنية؛ فالحي المؤنسن يضع سلامة الإنسان وراحته اليومية أولًا، خصوصًا الفئات الأكثر عرضة للخطر من المشاة كالأطفال وكبار السن، وراكبي الدراجات، فالمدينة الناجحة ليست الأسرع حركة، بل التي يستطيع سكانها التنقل فيها بأمان، ويشعرون بأن المساحات العامة جزء من حياتهم اليومية.

وفي ظل التحولات العمرانية الكبرى التي تشهدها المملكة، وفي مقدمتها برامج أنسنة المدن المنبثقة من رؤية 2030 ومشاريع الرياض الكبرى كالمسار الرياضي والرياض الخضراء، تبدو الفرصة كبيرة لبناء أحياء أكثر إنسانية واستدامة. وقد بدأت الجهود تؤتي ثمارها؛ إذ رصدت دراسة حديثة في حي الفلاح بالرياض، أحد أوائل أحياء مبادرة الأنسنة، تحسنًا ملموسًا في البيئة المشجعة على التنقل سيرًا على الأقدام.

والجدل بين الأنسنة والكفاءة الهندسية ليس صراعًا بين قيم متناقضة، بل فرصة لإعادة فهم أهداف هندسة المرور ذاتها: السلامة أولًا، ثم الكفاءة التشغيلية والتنقل. فالكفاءة الحقيقية ليست تعظيم تدفق المركبات، بل بناء نظام نقل متوازن يخدم مختلف المستخدمين ويقلل المخاطر.

ختامًا، الأنسنة لا تعني إلغاء المواقف أو تقليل سهولة الوصول، بل إعادة تنظيمها بما يناسب طبيعة المكان واستخداماته، دون الإضرار بالأنشطة التجارية، ومع توفير حلول بديلة مدروسة. والمبدأ نفسه ينطبق على تقليل مسارات الطرق؛ فهو قرار يستند إلى دراسة للطلب على التنقل ووظيفة الطريق، ويوازن بين كفاءة الحركة المرورية ودعم المشاة، حتى لا يتحول تحسين تجربتهم إلى اختناقات تُفقد المبادرة قبولها المجتمعي. إن المطلوب اليوم هو تبنّي الأنسنة بمنهجية هندسية متوازنة تجعل السلامة أساس التصميم لا إجراءً لاحقًا؛ فحين يضع التخطيط الإنسانَ في مركز المدينة، تصبح المدينة أكثر أمانًا وازدهارًا.

Last updated on : August 20, 2026 6:25am