Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.
Skip to main content

أنسنة المدن ودمج البعد الإنساني في التخطيط العمراني: التجربة السعودية

أنسنة المدن ودمج البعد الإنساني في التخطيط العمراني: التجربة السعودية

بقلم: أ. د. عبدالله محمد العابد | أستاذ التصميم العمراني والإسكان بقسم التخطيط بكلية العمارة والتخطيط في جامعة الملك سعود


منذ أواسط القرن الماضي تغير أسلوب تخطيط المدن وتطويرها في دول العالم بشكل كبير، فقد اعتمد تطوير المدن حتى الستينات من القرن الماضي على قواعد هي نتاج تراكمي من التجارب، فقد أخذت المدن التقليدية المترابطة في النمو بمرور الوقت اعتمادًا على الأنشطة اليومية، حيث كان الناس يسافرون على الأقدام ويشيدون المباني اعتماداً على خبرات الأجيال، ما أدى إلى نشوء مدن تنسجم فيها بيئة الإنسان مع حاجاته، حيث كانت الحياة في فضاء المدينة جزءاً حيوياً من تلك التجربة، وكان بناء مدن ذات أبعاد إنسانية أمراً مسلماً وبديهياً.

ومع النمو السريع للمدن تسلم المخططون المختصون ومخططو حركة المرور مهمة تخطيط المدن، حيث تم استبدال كل ما تم توارثه من مفاهيم عمرانية تم تشكيلها عبر القرون بالنظريات والأيدلوجيات الجديدة كأساس للتخطيط، فقد أصبحت الحداثة أمراً مؤثراً للغاية مع رؤيتها للمدينة كآلة بأجزاء وظيفية منفصلة، حيث يتم اتخاذ قرارت تخطيط المدن وتشييدها على ألواح وأوراق الرسم ولا يستغرق ذلك الكثير من الوقت لترجمة تلك القرارات إلى واقع ملموس.

لم يعر مخططو المدن ومخططو حركة المرور أي اهتمام بالأماكن العامة في المدينة، ولسنوات لم يكن لديهم أي إدراك بعواقب هذا النموذج التخطيطي على سلوك الناس، فتحولت المدن إلى مسرح تتنافس فيها الأعمال المعمارية وركزت على التصاميم الجذابة التي تستقطب أنظار الناس إليها مع عدم اهتمام بالفضاءات العمرانية وحياة الإنسان، فقد أهمل البعد الإنساني وانصب الاهتمام بشكل عشوائي على موضوع التخطيط العمراني.

يُعزى هذا الإهمال في المدن المتقدمة اقتصاديًا بشكل كبير إلى أيديولوجيات التخطيط، فضلاً عن الاستخدام المتزايد للمركبات، والصعوبات التي تواجه التحول من النمط الذي تكون فيه الحياة جزءًا من التقاليد إلى النمط الذي تتطلب فيه الحياة إسناداً فاعلاً للتخطيط الدقيق، أما في المدن التي تشهد نمواً متسارعاً في الدول النامية، فإن نمو عددالسكان، وتوفر الفرص الاقتصادية، إلى جانب التطور المطرد الذي تشهده الحركة المرورية أدى بدوره إلى تفاقم المشاكل في شوارع المدينة.

ولكن بعد مضي ما يقارب خمسين عاما من الإهمال نجد أن هناك حاجة ملحة ورغبة متزايدة في القرن الحادي والعشرين للاهتمام بالبعد الإنساني، فالنظرة إلى الحياة في المدينة كعنصر تخطيطي، ومفهوم العلاقة بين الشكل المادي وسلوك الإنسان قد تغيرت، فقد ثبت مؤخراً أن دمج البعد الإنساني في تخطيط المدن، والاهتمام بسكان المدينة أداة هامة لتحقيق مدن أكثر حيوية وصحية وآمنة ومستدامة، وهي في الواقع أهداف تخطيط مدن القرن الحادي والعشرين.

وفي السياق العربي المعاصر، تمثل التجربة السعودية في أنسنة المدن نموذجًا متقدمًا في دمج البعد الإنساني بالتخطيط العمراني، حيث اتجهت السياسات الحضرية إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والفضاء العمراني بما يحقق جودة الحياة، ويعزز التفاعل الاجتماعي، ويرتقي بالهوية المكانية للمدينة. وقد برز هذا التوجه بوضوح في مدينة الرياض من خلال تطوير الفضاءات العامة، وتوسيع المساحات الخضراء، وتحسين بيئات المشاة، وإعادة تأهيل الأودية والمناطق المفتوحة، بما يجعل المدينة أكثر ملاءمة للحياة اليومية وأكثر استجابة لاحتياجات السكان السلوكية والاجتماعية. وتعد مشاريع مثل تأهيل وادي حنيفة، وتطوير الحدائق الحضرية، ومسارات المشاة، والساحات البلدية العامة، من أبرز التطبيقات التي جسدت مفهوم الأنسنة في البيئة العمرانية السعودية، وأسهمت في هدف تحويل المدينة من فضاء وظيفي صامت إلى فضاء تفاعلي نابض بالحياة.

ويرتبط ترسيخ هذا المفهوم في المملكة ارتباطًا وثيقًا بإسهامات سموالأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف، الذي يُعد من أوائل من تبنّى مفهوم أنسنة المدن السعودية على المستوى الفكري والتطبيقي، منذ فترة عمله أمينًا لمنطقة الرياض. وقد أسهمت رؤيته في تحويل الأنسنة من مجرد تحسينات شكلية إلى فلسفة تخطيطية متكاملة تجعل الإنسان محور القرار العمراني، من خلال التركيز على المشاة، والفضاءات العامة، والمشاركة المجتمعية، والهوية المحلية، والارتقاء بجودة البيئة الحضرية. كما امتدت هذه الجهود إلى المجال الأكاديمي والبحثي من خلال جائزة الأمير عبدالعزيز بن عياف لأنسنة المدن التي أصبحت منصة وطنية لدعم الدراسات والمشروعات العمرانية المبتكرة، وتعزيز حضور البعد الإنساني في ممارسات التخطيط والتصميم العمراني بالمملكة.

Last updated on : May 31, 2026 6:43pm